الشيخ علي المشكيني
144
رسائل قرآنى
بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَايَسْمَعُونَ بِهَا « 1 » . ظاهر الآية الشريفة أنّ كثيراً من الأجنّة والأناسي متّصفون بالضلال والشقاء ، مخلوقون للنار ، إلّاأنّ ذلك لا يستلزم محذور الجبر ، ولا يوجب قبح العقاب ؛ فإنّ اللام في كلمة « جهنّم » للعاقبة ، لا الغاية . وبتعبير آخر للغاية التبعيّة ، لا الأصليّة الاستقلاليّة . وتوضيح الحال : أنّه لا إشكال في الغرض الأصلي من خلق الإنسان في الدنيا ، وتكوين هذا النوع على صفحة الوجود ليس إلّا إيجاد الأفراد التي تكون خليفة اللَّه تعالى في أرضه ، وينطبق عليها عنوان الإنسان الكامل والخليفة من اللَّه ، وهو كلّ من عرف اللَّه وعرف سفراءه وشرائعه ، وأذعن بما يجب الإذعان به ، فعمل بمحابّه وترك مكارهه . وهذا الغرض هو الكمال النهائي للإنسان وسعادته التامّة ، وهو أيضاً رتبة العبوديّة الحقيقيّة والخضوع التامّ عن علم ومعرفة ، التي جعلها اللَّه علّة غائيّة لخلقة بني نوعه ، فقال : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 2 » . وقد وعد اللَّه للواصل إلى هذا الغرض أجراً جزيلًا ، وثواباً جميلًا يناسبه ، وإحساناً وتفضّلًا وامتناناً ، وهو شمول غفرانه ورضوانه ، والدخول في جنّته ، والحضور في ساحة قدسه . وهذا الأجر أيضاً إمّا من أجزاء العلّة الغائيّة ، أو ثمرة مترتّبة عليها ، وعلى أيّ تقدير فهو أيضاً مقصود أصالي في مرحلة خلقة الإنسان وسائر المكلّفين . ثمّ إنّه حيث جعل اللَّه الإنسان ذات صفات مختلفة ، وقوى متنوّعة ، وأميال وشهوات ، وغرائز واقتضاءات ، ووهبه العقل المستنير ليبصر به طريقه ، ويدرك مصالحه ومفاسده ، وخيره وشرّه ، مع ما أقام له من الآيات الكونيّة والبراهين الخارجيّة ، فقد أوقعه في مسيره نحو كماله في مخاطر ومشاكل خاصّة ، مع وجود أعداء له يترقّب سقطته ، ويسعى في زلّته ؛ كلّ ذلك ليوصله إلى كماله اللائق ، وليبتليه ويختبره . وكان تعالى عالماً قبل خلقهم بأن جميع أفراد هذا النوع لا يصل إلى الهدف المحبوب والغرض المطلوب ، فيبطئ في السير عدّة ، وتتخلّف طائفة ، وينحرف آخرون ، وخلق أولئك أيضاً كان من أوّل الأمر مقصوداً إلّاأنّه بالتبع ، لا بالاستقلال .
--> ( 1 ) . الأعراف ( 7 ) : 179 . ( 2 ) . الذاريات ( 51 ) : 56 .